المدونة

بحث علمي من جامعة كامبريدج حول الفائدة المركبة

تحرير

مدرس شغوف بسوق الأسهم والاقتصاد

AMR FAOUR
بحوث اقتصادية متنوعة

آخر تحديث

الوقت المتوقع للقراءة 4 د.

استثمر في مستقبلك المالي، تعلم أسرار سوق الأسهم من الخبراء وحقق النجاح!

تواصل معنا الآن

فهرس المحتوى

الفائدة المركبة هي طريقة لنمو المال بحيث يتم حساب الفائدة ليس فقط على المبلغ الأصلي، بل أيضًا على الفوائد المتراكمة السابقة، مما يؤدي إلى نمو أُسّي (Exponential Growth) مع مرور الوقت.

بحث علمي من جامعة كامبريدج حول الفائدة المركبة

تطور فهم الفائدة مع التركيز على الفائدة المركبة مقارنةً بالبسيطة، حيث كانت القروض قصيرة الأجل (أقل من عام) تضاف لها فائدة بسيطة عند السداد، بينما القروض الأطول كانت تدفع فائدتها البسيطة دوريًا نقدًا (غالبًا سنويًا) مع بقاء أصل القرض ثابتًا، أو ترحل أحيانًا وتضاف للأصل في نهاية المدة، في حين تعتمد الفائدة المركبة على إضافة الفائدة سنويًا إلى أصل القرض دون سداد نقدي، مما يؤدي إلى تضخم الدين تدريجيًا وزيادة الفائدة في كل عام لاحق، وقد يصل المبلغ النهائي إلى مستوى يفوق قدرة المقترض على السداد دون أن يدرك حجم التراكم، وفي جميع الحالات كان التأخر في السداد يترتب عليه غرامات قاسية قد تصل إلى مضاعفة الدين مع حق المقرض في الحجز على الضمانات كالعقارات أو الممتلكات الثمينة، 

وعلى مدار عقود برزت صعوبة في التمييز بين نوعي الفائدة في الوثائق القديمة، خاصةً مع حظر “الربا” الذي شمل غالبًا القروض ذات الفائدة، رغم أنه قد يقصد به أحيانًا الفوائد المرتفعة سريعة التراكم، ومع القيود القانونية والدينية كانت العقود تصاغ دون ذكر صريح للفائدة عبر تحديد مبلغ سداد مستقبلي أكبر من أصل القرض دون وضوح آلية احتسابه.

وعلى الرغم من ذلك ظهرت تطبيقات عملية مثل عقود المعاشات السنوية التي استخدم فيها رياضيو أوروبا في العصور الوسطى حسابات الفائدة المركبة، ووصلت جداول لها من فلورنسا، ثم ابتداءً من القرن السادس عشر بدأت القيود تخف وظهرت مؤلفات تشرح حساب الفائدة البسيطة والمركبة، ليترسخ تدريجيًا قبول الفائدة المركبة خاصةً في المعاملات طويلة الأجل.

تحليل فيبوناتشي ودوره في فهم الفائدة المركبة

يعد كتاب Liber Abaci الذي ألفه ليوناردو فيبوناتشي عام 1202 من أهم وأقدم المراجع في دراسة الفائدة البسيطة والمركبة، حيث عرض مسائل تطبيقية مثل حساب قيمة 100 جنيه إسترليني بعد 18 عامًا بفائدة مركبة 25% عبر تكرار ضرب 5/4، كما تناول مسألة معاش سنوي يودع فيه شخص 100 جنيه بفائدة شهرية تعادل 4 بنسات لكل جنيه (أي 20% سنويًا)، مع سحب 30 جنيهًا سنويًا، ليصل إلى أن الرصيد يتناقص تدريجيًا (90 ثم 78...) حتى ينفد تقريبًا خلال 6 سنوات و8 أيام وساعتين، مستخدمًا طريقة مبتكرة تعتمد على مضاعفة مقدار النقص السنوي بعامل 1.2. 

كما ناقش حالة عكسية يتم فيها تحديد رأس المال المطلوب للحصول على معاش سنوي معلوم (مثل 30 جنيهًا لمدة 5 سنوات)، حيث حسب القيمة الحالية باستخدام خصم تراكمي بنسبة ⅚ سنويًا، مع تعديلات إضافية لفترة جزئية (70 يومًا). ولم يتناول فيبوناتشي المعاشات مدى الحياة بشكل مباشر، لكنه كان قادرًا نظريًا على تسعيرها بافتراض نسب بقاء (مثل 29 من 30 سنويًا)، مما يؤدي إلى تقديرات مثل استثمار 100 جنيه للحصول على 24 جنيهًا سنويًا مدى الحياة مقارنة بـ20 جنيهًا للمعاش الدائم، وهو ما يشبه ممارسات مدن مثل هامبورغ في تحديد نسب العوائد (6.66% للمعاشات الدائمة و10% لمدى الحياة). 

وعلى الرغم من أن هذه الأساليب كانت عملية، فإنها لم تكن دقيقة اكتواريًا لغياب تحليل إحصائي حسب العمر، وهو ما لم يظهر إلا بعد قرون مع تطور علم التأمين، ومع ذلك كان يمكن لمثل هذه الافتراضات البسيطة أن تقود إلى شروط أكثر عدالة. وقد ظل منهج “ليبر أباتشي” يدرس في مدارس توسكانا لثلاثة قرون، مما أتاح للطلاب فهم حسابات الفائدة والمعاشات، لكن غياب الطباعة حد من انتشار هذه المعرفة، كما أن تعليم الفائدة المركبة لاحقًا في أوروبا لم يبلغ دائمًا نفس العمق، وظل العديد من المقرضين والمقترضين يفتقرون لهذه المهارات حتى نحو عام 1550.

جداول بيغولوتي للفائدة

كان فرانشيسكو بالدوتشي بيغولوتي موظفًا في دار باردي المصرفية بفلورنسا منذ عام 1310 أو قبله، وعمل في عدة دول منها إنجلترا بين 1317 و1321، وبلغ منصبًا رفيعًا بحلول 1346، لكن انهيار البنك نتيجة أزمة سياسية واقتصادية أنهى مسيرته المصرفية، وقد ألف مخطوطة تجارية شاملة بعنوان La Pratica della Mercatura، وصلت في نسخة مكتوبة عام 1472 ومحفوظة في مكتبة ريكارديان بفلورنسا، مع ترجيح أن أصلها يعود إلى نحو 1340.

تتضمن النسخة المطبوعة جداول للفائدة المركبة توضح نمو 100 ليرة على مدى 20 عامًا بمعدلات من 1% إلى 8% بزيادات نصف بالمائة (15 جدولًا)، دون شرح لطريقة الاستخدام، وتحتوي على أخطاء حسابية متفاوتة، بعضها بسيط ببنس أو اثنين، وأخرى أكثر وضوحًا مثل خطأ جدول 4.5% عند السنة 11، حيث سجل رقم غير صحيح بينما ظهر الرقم الصحيح في سنة أخرى، مما يشير إلى احتمال عدم استخدام الطريقة التراكمية البسيطة (إضافة النسبة سنويًا)، وتظهر مؤشرات مشابهة في جداول أخرى مثل 2.5% و8%، حيث يبدو أن بعضها اتبع منهجًا تدريجيًا بينما لم يفعل البعض الآخر، إضافةً إلى أخطاء في جداول نسب مختلفة مثل 3% و5% و7%، مع احتمال أن يكون جزء منها ناتجًا عن أخطاء نسخ لا حساب.

ورغم غياب الشرح النصي، ثبت أن هذه الجداول جزء أصيل من المخطوطة وليست إضافة لاحقة وكانت موجودة على الأقل بحلول 1472 وربما منذ تأليفها الأصلي حوالي 1340، وقد نقلت بدقة في النسخة المطبوعة مما يعني أن الأخطاء إما تعود لمرحلة النسخ أو لأصل المخطوطة، خاصةً مع إقرار المحرر بأن النساخ أدخلوا تشويهات على الأرقام، وعلى الرغم من بعض الشكوك حول تاريخها الدقيق، فإنها تعد أقدم جداول معروفة للفائدة المركبة حتى الآن.

مخطوطة تشوكيه

تتناول المخطوطة الرياضية التي أكملها نيكولا شوكيه عام 1484 في ليون عدة مسائل تطبيقية على الفائدة المركبة، حيث تضمنت في نسختها المطبوعة مسائل مباشرة مثل حساب معدل الفائدة السنوي الذي يحول 20 وحدة نقدية إلى 30 خلال سنتين، ويتم حله بأخذ الجذر التربيعي للناتج وطرح 100، إضافة إلى مسألة تحديد أصل قرض بلغ 100 ليفر بعد 3 سنوات بفائدة 10% سنويًا. 

كما عرضت مسألة أكثر تعقيدًا تشمل دفعات دورية، حيث يقرض شخص 200 وحدة لمدة 3 سنوات بفائدة 10% مقابل إيجار مجاني لمنزل، ويطلب تحديد قيمة الإيجار السنوي المكافئ، وكانت الإجابة 80 وحدة سنويًا (عند الدفع السنوي بأثر رجعي)، كما تضمنت المخطوطة مسائل أخرى تتعلق بتسوية الديون خلال السنة.

وتظهر هذه الأمثلة أن الفائدة المركبة كانت مستخدمة فعليًا في ليون إلى جانب الفائدة البسيطة، وهو ما يدعمه تعليق شوكيه نفسه، حيث انتقد الطريقة التقليدية لتوزيع أرباح الشراكات التجارية المبنية على الفائدة البسيطة، معتبرًا أنها تفترض أن رأس المال وحده يحقق الربح، متجاهلة أن الأرباح نفسها يمكن أن تولد أرباحًا إضافية بمرور الوقت، وبالتالي رأى أن هذه الطريقة غير دقيقة، ما يشير إلى تفضيله نهجًا يعتمد على الفائدة المركبة سواء في تقسيم الأرباح أو في حساب فوائد القروض.

الفائدة المركبة في كتب الحساب المطبوعة 

مع حلول القرن السادس عشر وتوسع التجارة والاقتصادات الأوروبية، أصبح المال والائتمان عنصرين أساسيين، مما زاد الحاجة إلى فهم دقيق لحساب الفائدة، وساعد اختراع الطباعة بالحروف المتحركة على نشر المعرفة الرياضية على نطاق واسع. ومن أوائل الكتب المطبوعة في هذا المجال كتاب يوهانس فيدمان الصادر في لايبزيغ عام 1489، والذي تضمن 14 مسألة عن الفائدة البسيطة والمركبة (من 200 إلى 213)، وكانت أغلبها مباشرة وغير معقدة، مثل حساب معدل الفائدة لقرض 20 فلورينًا يعاد بعد سنتين بمبلغ 30 فلورينًا (وهي مسألة تكررت عند شوكيه وجاكوبو)، وكذلك حساب قيمة 100 فلورين بعد 3 سنوات بفائدة مركبة 20%، حيث يحل المثال بطريقة تراكم سنوي بإضافة خمس المبلغ كل سنة.

كما تناول كتاب لوكا باتشولي الصادر عام 1494، وهو من أهم أعمال المحاسبة المبكرة، الفائدة البسيطة والمركبة دون استخدام جداول، مع شرح لكيفية بناء الحسابات، وركز على فكرة الزمن اللازم لمضاعفة رأس المال، لكنه قدم بدلاً من الطرق القديمة قاعدة تقريبية تعرف بـ“قاعدة 72”، حيث يتم قسمة 72 على نسبة الفائدة للحصول على مدة المضاعفة (مثل 12 سنة عند 6%)، وهي قاعدة تقريبية لكنها دقيقة نسبيًا في نطاق الفائدة بين 3% و12%، مما جعلها أداة عملية لفهم النمو المركب لرأس المال في تلك الفترة.

حكم الفائدة المركبة في الإسلام 

تعد الفائدة المركبة من صور الربا المحرم شرعًا؛ لأنها تقوم على زيادة الدين الأصلي مقابل الزمن مع إعادة احتساب الفائدة على أصل الدين والفوائد المتراكمة وهو ما يدخل ضمن ربا النسيئة المحرم في الشريعة الإسلامية، وقد دل القرآن الكريم على تحريم الربا بنص صريح في قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (البقرة: 275)، كما أكدت السنة النبوية تحريم صور الزيادة المشروطة على الديون. وبينت قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن "كل زيادة على الدين مقابل الأجل، سواء كانت بسيطة أو مركبة، هي ربا محرم"، وهو ما يعني أن الفائدة المركبة تدخل ضمن هذا الحكم دون اختلاف في التصنيف الفقهي باعتبار أن العبرة في الشرع هي بوجود الزيادة المشروطة على أصل الدين لا بطريقة حسابها.

الفائدة المركبة في إنجلترا

يرجح أن أول كتاب مطبوع تناول الفائدة المركبة كان كتاب ماسترسون الحسابي (1592–1595)، والذي ركز على المعاملات التجارية بين التجار وضم أكثر من 500 مثال محلول، منها 14 مثالًا للفائدة البسيطة و13 للفائدة المركبة. ومن أمثلة مسائل الفائدة المركبة فيه مسألة (Q553) التي تتعلق بسداد 200 جنيه إسترليني سنويًا لمدة 5 سنوات، مع حساب قسط سنوي مكافئ لمدة 3 سنوات، وقد قام ماسترسون بتجميع المدفوعات على مدى السنوات وحسب القسط السنوي المطلوب ليصل إلى 304.86 جنيه إسترليني، ورغم إتقانه الحسابات إلا أن الكتاب كان غير منظم وصعب الفهم ولا يحتوي على جداول للفائدة، وتكمن أهميته في إظهار انتشار معاملات الفائدة في التجارة الأوروبية ووصولها إلى لندن.

أما أول ظهور معروف لجدول الفائدة المركبة في إنجلترا فكان في منشور عام 1602 بعنوان "تحذير للمقترض: أو جدول كامل للربا"، والذي بيع في ساحة كنيسة سانت بول بلندن واستهدف التجار والمصرفيين والمقترضين. تضمن المنشور جدولًا يوضح قيمة جنيه إسترليني واحد عند فائدة مركبة سنوية 10% لمدة تصل إلى 21 عامًا، مع إمكانية استخدامه لحساب مبالغ أكبر من خلال التجميع، كما أشار إلى إمكانية جمع القيم لحساب تراكم دفعات سنوية، لكنه لم يقدم جداول جاهزة لذلك. وكان معدل 10% هو الحد الأقصى القانوني للفائدة على القروض في إنجلترا آنذاك.

وفي عام 1612، نشر ويليام كولسون كتابًا في المحاسبة والحساب تضمن أقدم الجداول الإنجليزية للفائدة المركبة، حيث شملت جداول للتراكمات والقيم الحالية للدفعات الفردية وسلاسل الدفعات لمدة تصل إلى 21 سنة وبمعدل فائدة سنوي 10%. وقد استخدمت هذه الجداول لحسابات مالية بسيطة، مع تقديم مثال أو مثالين فقط لتوضيح طريقة الاستخدام، كما حظي الكتاب بتوصية عدد من الممارسين في المجال مثل جيرارد مالينز وريتشارد ويت.

وفي عام 1613، نشر ريتشارد ويت كتابه "أسئلة حسابية" في لندن، والذي أظهر أن الفائدة المركبة أصبحت مقبولة تمامًا آنذاك. امتاز كتاب ويت بأنه أكثر شمولًا ووضوحًا من حيث شرح طرق الحساب في الأمثلة، والأهم أنه قدم لأول مرة في كتاب إنجليزي عددًا كبيرًا من جداول الفائدة المركبة التي تغطي التراكمات والقيم الحالية بمعدلات فائدة مختلفة مستخدمة عمليًا، وشملت هذه الجداول المدفوعات الفردية وسلاسل الدفعات السنوية ونصف السنوية والربع سنوية. كما أوضح ويت فهمه الدقيق للفروق بين الفائدة السنوية 5% والفائدة نصف السنوية 2.5%، وتضمن كتابه أيضًا جداول لحساب قيمة المعاشات السنوية المضمونة بناءً على سعر شراء معين.

وقد قدم ريتشارد ويت حل مالي أنيق يقوم على مبدأ أن كل دفعة قيمتها 100 جنيه إسترليني خلال فترة 3 سنوات يمكن تقييمها بقيمتها الحالية إذا تم خصمها باستخدام القيمة الحالية لـ 100 جنيه مستحقة بعد 3 سنوات، مما يؤدي إلى قيمة إجمالية مقدارها 175 جنيهًا إسترلينيًا و2 شلن و7 بنسات. وفي بداية كتابه عام 1613، أوضح ويت طريقة مبسطة لاستخدام جدول واحد فقط يوضح مقدار تراكم جنيه إسترليني واحد إذا أقرض الآن لمدة سنوات مختلفة بفائدة سنوية 10%، بحيث يمكن من خلاله حساب القيمة الحالية للدفعات الدورية دون الحاجة لحساب كل قسط بشكل منفصل، وذلك عبر اختيار القيمة المناسبة من الجدول (A)، ثم طرح 1 منها، وقسمة الناتج على A، وضربه في مقلوب معدل الفائدة (10)، ليصل بذلك إلى صيغة عامة باستخدام الترميز الحديث لحساب القيمة الحالية للدفعات السنوية aₙ حيث تمثل n عدد السنوات و i معدل الفائدة السنوي. 

ويعد هذا الاستخدام أول تطبيق معروف لهذه الطريقة في حساب الدفعات السنوية، كما يعكس فهمًا مبكرًا لمبادئ جمع المتسلسلات الهندسية. ومع ذلك، لم يكن ويت بحاجة عمليًا لهذه الطريقة في أمثلته لأنه وفر جداول إضافية مباشرة للقيم الحالية للدفعات الدورية عند معدلات فائدة شائعة، لكنه لم يدرج جداول لمعدلات 9% و8% و7% و6% و5%، وهو نقص لاحظه بعض القراء لاحقًا، حيث احتفظت المكتبة البريطانية بنسخة من كتابه تحتوي على إضافات مخطوطة تكمل الجداول المفقودة بتفصيل أكبر.

تكرار التراكيب

التراكم المتكرر للفائدة يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في قيمة الدين خاصةً مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ فمثلًا بطاقة ائتمان بفائدة سنوية 20% على دين 1000 جنيه إسترليني تصل إلى 2696 جنيهًا بعد 5 سنوات عند التراكم الشهري، بينما تبلغ 2488 جنيهًا فقط عند التراكم السنوي. ويشير النص إلى أن فكرة التراكم المتكرر ليست حديثة تمامًا، إذ ناقشها الرومان القدماء كما في مثال شيشرون الذي ذكر فائدة شهرية دون إضافتها شهريًا إلى رأس المال. كما يوضح أن علماء العصور الوسطى غالبًا ما استخدموا التراكم السنوي لكن في بعض الحالات كان يتم التراكم بوتيرة أسرع مثل نصف سنوي أو ربع سنوي، مما كان يزيد العائد بشكل ملحوظ، خصوصًا عند ارتفاع الفائدة، مثل مثال 12% أو حتى 43% حيث يؤدي التراكم الربع سنوي إلى زيادة كبيرة في قيمة الدين مقارنة بالتراكم السنوي.

حتى أن البنوك ربما كانت تدرك تأثير التراكم المتكرر ويتضح ذلك من استخدام معدلات شهرية أو أسبوعية في الأمثلة الرياضية، إضافة إلى وجود حالات تاريخية مثل دي لا روش وماسترسون التي تضمنت فترات تراكم أقل من سنة، ما يشير إلى أن التراكم المتكرر لم يكن نادرًا تمامًا. ويستدل أيضًا على ذلك من جداول بيغولوتي التي تبدأ من 1%، ما قد يعكس استخدامًا عمليًا لمعدلات منخفضة على أساس دوري. ويتضح ذلك من خلال مثال تاريخي مهم عام 1555 لقرض لملك فرنسا تم فيه احتساب الفائدة ربع سنويًا مما أدى إلى شروط سداد مختلفة كان يمكن أن تكون أقل تكلفة لو حسبت الفائدة سنويًا فقط.

ويظهر ريتشارد ويت تقدمًا مهمًا من خلال تطوير جداول للفائدة نصف السنوية والربع سنوية تعتمد على الفائدة السنوية، مع تقديمه طريقة دقيقة لحساب القيم عبر جذور ومضاعفات متتالية، إضافة إلى تطبيقات في معاملات الملكية، ما يمثل أول معالجة منهجية لمشكلة تحويل الفائدة السنوية إلى فترات جزئية من السنة.

 وقد تناول توماس هاريوت الفائدة المركبة المستمرة رياضيًا باستخدام المتسلسلات والحدود عندما يقترب عدد الفترات من اللانهاية، ليصل إلى قيمة استثمار 100 جنيه بعد 7 سنوات، مما يعكس فهمًا مبكرًا لفكرة الفائدة المركبة المستمرة.

الفائدة على أجزاء السنة

عندما لا تتساوى مدة القرض مع عدد صحيح من السنوات، كان لا بد من حساب الفائدة عن الجزء المتبقي من السنة، لكن النص يوضح أن ذلك لم يكن موحدًا، إذ وجدت ثلاث طرق مختلفة على الأقل بين العلماء أدت إلى نتائج متباينة. من هذه الطرق: طريقة تشوكيه التي تعاملت مع المسألة باستخدام أسس كسرية لمعدل الفائدة، حيث قدم مثالًا لتحويل 60 وحدة إلى 65 في سنة واحدة ثم حساب قيمتها بعد 8 أشهر، وقد أعطت طريقته نتيجة قريبة من القيم الحديثة (حوالي 63.38) اعتمادًا على فكرة الفائدة المركبة المستمرة، كما طبقها في مثال آخر ليصل إلى 157.74 جنيهًا خلال سنتين ونصف عند فائدة 20%.

أما طريقة دي لا روش فقد نتج عنها قيمة أقل قليلًا في نفس المثال (157.09 جنيهًا)، بينما طريقة ستيفن أعطت قيمة أعلى (158.40 جنيهًا)، مما يعني أن طريقة ستيفن كانت في صالح المقرض، في حين كانت طريقة دي لا روش في صالح المقترض. وقد أثار هذا الاختلاف جدلًا بين العلماء، حتى إن ماسترسون انتقد ستيفن وكوينيه من أنتويرب واعتبر أن بعض حلولهم خاطئة، وادعى أن طريقته هي الصحيحة رياضيًا، مع مراسلات يبرر فيها ذلك بالبرهان الرياضي. ويرجح النص أن سبب الخلاف يعود إلى اختلاف طرق حساب الفائدة المركبة للأجزاء الجزئية من السنة، رغم أن أمثلة ماسترسون نفسها لم تتناول هذه الحالة بشكل مباشر.

تغيير المواقف تجاه فرض الفائدة

شهد القرن السادس عشر في أوروبا وإنجلترا تغيرًا في المواقف تجاه الفائدة أدى إلى تخفيف القيود القانونية والدينية المفروضة عليها تدريجيًا، حيث برزت حجج اجتماعية مثل حاجة الأرامل والأيتام إلى دخل من أموالهم، إضافة إلى ضرورة الإقراض بفائدة معتدلة لدعم الدولة والتجارة والأفراد. ومع ضبط سقف الفائدة، لم يعد تراكم الفائدة يعد مشكلة كبيرة كما في حالات الفوائد المرتفعة. في إنجلترا سمح عام 1545 بفرض فائدة تصل إلى 10% سنويًا، ثم ألغي القرار عام 1552، وأعيد العمل به عام 1571 مع بند غامض يشير إلى أن الربا خطيئة دينية، ما خلق حالة من عدم اليقين القانوني سمحت بمصادرة الفائدة في بعض الحالات. ورغم استمرار الخطاب الديني الرافض للفائدة في أوائل القرن السابع عشر، إلا أنه فقد تأثيره عمليًا، وأصبح فرض فائدة 10% أمرًا شائعًا، مما أدى إلى انتشار كتب وجداول الفائدة المركبة خاصة بين المساحين والعاملين في العقارات.

وفي عام 1625 خفض الحد الأقصى القانوني للفائدة إلى 8% لأسباب اقتصادية، لكن ذلك لم يمنع استمرار الفوائد المرتفعة غير الرسمية التي وصلت أحيانًا إلى 30–60% سنويًا، عبر حيل مثل معاملات الرهن وادعاء شراء بضائع مضمونة بدلًا من القرض المباشر. وقد تم التساهل جزئيًا مع هذه الممارسات لاعتبار الرهون أكثر خطورة، رغم محاولات إصلاح النظام مثل دعوة مالينز عام 1622 لإصلاحه أو تقييد الفائدة عليه.

وفي سياق هذا التطور، بدأ الاعتماد على الجداول والحسابات المالية للفائدة المركبة في الانتشار، مع تزايد الحاجة إلى أدوات حسابية دقيقة لتنظيم الإقراض والمعاملات العقارية، وهو ما مهد لاحقًا لتطور علم الحساب المالي بشكل أكثر منهجية.

أحد عيوب جدول الفائدة

كانت جداول الفائدة المركبة ذات أهمية عملية كبيرة في أوائل القرن السابع عشر، لكنها عانت من مشكلة جوهرية وهي وجود أخطاء حسابية في بعض الجداول المطبوعة، مما أثر على دقتها. فعلى سبيل المثال، احتوت جداول ويليام كولسون (1612) على عدد من الأخطاء، وهو ما دفع ريتشارد ويت في كتابه الصادر بعده بعام إلى التأكيد على أن جداول كتابه تم فحصها وتصحيحها بعناية أثناء الطباعة. كما أظهرت طبعة 1615 من كتاب روبرت ريكورد "الحساب" وجود خطأ في جدول الفائدة المركبة المنسوب إلى سايمون ستيفنز، حيث طبعت قيمة غير صحيحة لمعدل فائدة 10% على دفعات سنوية لمدة 8 سنوات رغم أن ستيفنز كان قد قدم القيمة الصحيحة.

ورغم صدور طبعات لاحقة، استمرت المشكلات؛ إذ تضمنت طبعة 1632 من كتاب ريكورد أخطاء كبيرة في حسابات المعاشات السنوية عند فائدة 8% بين الصفحات 607–618. كما وجد جدول مخطوط إنجليزي من الفترة 1625–1651 محفوظ في مكتبة معهد وكلية الاكتواريين، يعتمد على نفس معدل 8% ويؤكد أن هذه الجداول كانت مستخدمة عمليًا في الحسابات المالية، لكنه أيضًا يحتوي على أخطاء واضحة. 

اللوغاريتمات

قد يكون أحد العوامل التي دفعت جون نابير لاختراع اللوغاريتمات ونشرها عام 1614 هو تأمله في خصائص جداول الفائدة المركبة الخاصة بستيفن، رغم عدم وجود تأكيد قاطع على ذلك. حيث أن اللوغاريتمات أحدثت نقلة كبيرة في تبسيط العمليات الحسابية، خاصة في المعاملات التجارية وحسابات الفائدة المركبة، وانتشر استخدامها بسرعة.

وقد كان نابير يدرك مسبقًا أن ضرب حدود المتسلسلة الهندسية يمكن تحويله إلى جمع الأسس ثم الرجوع إلى الحد المقابل، لكن المشكلة كانت أن الأرقام العملية غالبًا لا تتطابق مع حدود الجداول الجاهزة، مما يجعل التطبيق محدودًا. ومن هنا، جاء إنجازه في تطوير فكرة إنشاء متسلسلة هندسية تحتوي على عدد كبير جدًا من القيم بحيث يمكن تقريب أي أرقام عملية إليها بدقة كافية لإجراء العمليات الحسابية.

وربما يكون نابير استلهم هذه الفكرة من جداول ستيفن خصوصًا تلك الخاصة بالقيم الحالية عند فائدة مركبة 1%، والتي كانت تحتوي على أنماط رقمية متدرجة. حيث أن نابير بنى الخوارزمية الخاصة به عبر جدول يبدأ بأعداد كبيرة مثل 9995000 و9990002.5 وغيرها، وهي مرتبطة رياضيًا بقوى العدد 0.9995، دون أن يربطها صراحةً بمفهوم الفائدة.

أسعار الفائدة الأساسية لمعاملات المعاشات التقاعدية

ل عام 1620 أصبح لدى العلماء فهم واسع لمعظم تقنيات تحليل الفائدة المركبة، مع توفر الجداول واللوغاريتمات التي سهلت الحسابات بشكل كبير، إلا أن مشكلة مهمة ظلت دون حل دقيق وهي كيفية استخراج معدل الفائدة المركبة الضمني في معاملات الدفعات السنوية عندما يكون سعر الشراء والدفعة السنوية ومدة الدفع معروفة. وقد استعرض هاواويني وفورا تطور المحاولات لحل هذه المشكلة، بدءًا من طريقة داري عام 1677 التي اعتمدت على التجربة والخطأ بشكل منهجي، لكنها كانت غير دقيقة ولا تعطي القيمة الحقيقية لمعدل الفائدة وبالتالي لم تكن ذات جدوى عملية كبيرة.

واستمر لاحقًا تطور الأساليب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين من قبل علماء الرياضيات وخبراء التأمين، بهدف الوصول إلى تقريبات عملية وسريعة لمعدل الفائدة. كما لجأت بعض شركات التأمين وصناديق التقاعد في القرن العشرين إلى تحسين عوائدها عبر تبديل السندات الحكومية لتحقيق عوائد أعلى، مما تطلب وجود طرق تقريبية سريعة لحساب عائد الاسترداد قبل انتشار الحواسيب الإلكترونية. وكانت السندات تعامل كأنها تدفقات نقدية تشبه المعاشات السنوية مع أرباح أو خسائر رأسمالية عند الاستحقاق، لكن في تلك الفترة لم تكن هناك بعد طريقة رياضية موحدة أو دقيقة تعد “الأفضل” لحساب العائد بسرعة، مما يعكس أن رياضيات الفائدة المركبة لم تكن مكتملة تمامًا حتى ذلك الوقت.

المعاشات التقاعدية مدى الحياة

بحلول عام 1600 تقريبًا، أصبح من الممكن في السوق الإنجليزية شراء معاش تقاعدي مدى الحياة للفرد وزوجته، حيث تشير إحدى الحالات إلى أن دفع 3500 جنيه إسترليني كان يضمن دخلًا سنويًا قدره 500 جنيه إسترليني يصرف على دفعات نصف سنوية. وقد تضمنت الوثيقة المنظمة لهذه الصفقة جدولًا يوضح آلية سداد رأس المال تدريجيًا من خلال أقساط المعاش المستلمة، مع احتساب فائدة سنوية بنسبة 10% على الرصيد المتبقي من رأس المال.

ويبين هذا الجدول أن رأس المال مع الفائدة يتم استرداده تقريبًا بالكامل خلال 12 سنة، مع الإشارة إلى أنه إذا عاش المستفيد أو زوجته مدة أطول من ذلك، فإن الصفقة تصبح في صالحهما وتحقق لهما ربحًا إضافيًا.

أساس علم الاكتوارية

في عام 1671 قام جان دي ويت في هولندا بدمج حسابات الفائدة المركبة مع احتمالات البقاء المرتبطة بالعمر اعتمادًا على بيانات الوفيات، وفي عام 1693 قدم إدموند هالي في إنجلترا تحليلاً مشابهًا. وكان الهدف الأساسي في كلا البلدين هو تقييم ما إذا كانت الدولة تبيع المعاشات التقاعدية بأسعار منخفضة أكثر من اللازم، لكن هذه الدراسات أسست لاحقًا لاستخدامات أوسع بكثير.

فقد أصبحت هذه الأساليب الإكتوارية المبكرة أداة مهمة في مجالات متعددة مثل تقييم عقود إيجار الأراضي، وحساب أقساط التأمين على الحياة، وتحليل ملاءة شركات التأمين. وبذلك تطورت تقنيات الفائدة المركبة عبر قرون لتصبح أحد الأسس الرئيسية لعلم الإكتوارية الحديث.

المصادر

[1][2]


قد يهمك أيضاً

ابق على اطلاع بأهم الأحداث التي تشكل الأسواق العالمية واتخذ قراراتك الاستثمارية بناءً على أحدث المعلومات

كل ما تريد معرفته عن مضيق هرمز وأهميته الاقتصادية

كل ما تريد معرفته عن مضيق هرمز وأهميته الاقتصادية

يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم لما له من دور محوري في حركة الطاقة والتجارة الدولية،

بحوث اقتصادية متنوعة

AMR FAOUR 2026-05-04

نماذج التداول

نماذج التداول

يشكل سوق الفوركس بيئة ديناميكية ومعقدة تتطلب من المتداولين فهماً عميقاً للأسواق المالية وقدرات تحليلية فائقة، في هذا السياق، تظهر نماذج التداول كأدوات فعّالة لتوجيه المستثمرين واتخاذ قرارات مستنيرة، سنتناول في هذا المقال بعضاً من أبرز نماذج التداول التي يمكن للمتداولين اعتمادها لتحقيق تجارة ناجحة في سوق الفوركس.

بحوث اقتصادية متنوعة

AMR FAOUR 2025-07-23

التقاعد في السعودية - الدليل الشامل 2026

التقاعد في السعودية - الدليل الشامل 2026

التقاعد في السعودية يمثل مرحلة هامة في حياة الأفراد إذ يوفر لهم الأمان المالي والاستقرار الاجتماعي بعد انتهاء سنوات العمل، ويأتي تنظيمه وفق المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ونظام العمل السعودي لضمان حقوق المتقاعدين وحماية مستقبلهم.

بحوث اقتصادية متنوعة

AMR FAOUR 2026-01-07

الاستثمار في سوق الاسهم في الجزائر

الاستثمار في سوق الاسهم في الجزائر

شهد السوق المالي الجزائري تحولاً كبيراً في السنوات الأخيرة، فأصبح أكثر تنوعاً وتكاملاً وعولمة. وقد دُفع بهذا التحول عدد من العوامل، منها نمو التمويل الإسلامي، وتطوير تداول المشتقات المالية، وزيادة مشاركة المستثمرين الأجانب في السوق.

دراسة وتحليل سوق الأسهم

AMR FAOUR 2025-09-02

ما هي الأسهم الأمريكية الأفضل أداءً على مدى الثلاثين عاماً الماضية

ما هي الأسهم الأمريكية الأفضل أداءً على مدى الثلاثين عاماً الماضية

هذه هي الأسهم الأمريكية الأفضل أداءً على مدار الثلاثين عامًا الماضية. إن وجود مثل هذه العائدات الضخمة يجعل من السهل تحقيق ذلك، لكن الحصول على ميزة تداول أمر مطلوب للحصول على عائدات أعلى من المتوسط. جميع القوائم هي أسهم مقرها الولايات المتحدة والبيانات مأخوذة من Yahoo Finance.

دراسة وتحليل سوق الأسهم

AMR FAOUR 2024-12-30

التداول بالعملات: فهم الأساسيات والطرق لتحقيق الربح

التداول بالعملات: فهم الأساسيات والطرق لتحقيق الربح

إن تداول العملات، المعروف أيضاً بالفوركس، هو أكبر سوق مالي عالمي يتم فيه بيع وشراء العملات بشكل أسبوعي. هذا السوق يتيح للمتداولين فرصة تحقيق أرباح من فروق أسعار الصرف بين العملات المختلفة، سواء من خلال تداول يومي قصير الأمد أو استثمارات طويلة الأمد. ولكن النجاح في الفوركس يحتاج إلى فهم دقيق للأساسيات، إدارة رأس المال بحكمة، واتباع استراتيجيات مدروسة لتقليل المخاطر.

دراسة وتحليل العملات

AMR FAOUR 2025-10-31

سجل الآن واحصل على استشارة مجانية

معلومات التواصل

هل تريد البقاء على اطلاع بآخر الأخبار الاقتصادية؟

سجل بنشرتنا البريدية

نحن نهتم بخصوصيتك، عند التسجيل بنشرتنا البريدية فأنت توافق على شروط الخدمة.